هذا الصمت المريب

 د. عبدالكريم هاني

 

يراقب العالم , أو أفترض أنه يرى المجازر التي تتكرر يوما بعد يوم في القرى العراقية المختلفة  تمارسها دولة الإرهاب و أزلامها , و أنا على يقين أن العالم يراقب مباريات كرة القدم أو الملاكمة باهتمام أكثر من اهتمامه بما يجري في العراق و بأعداد الضحايا الذين يقعون ضحية إرهاب الدولة أو السيارات المفخخة التي كانت من مستوردات عهد ( الحرية و الديموقراطية ) اللنين أتحفتنا بهما دولة العدوان . و لعل الحكومات العربية تستمع باهتمام أكبر الى نانسي و هيفاء و غيرهما أكثر مما تستمع الى صرخات الأيامى و استغاثة اليتامى في عراق ( التحرير ) , فهي لا تستطيع أن تسمع إلا ما تسمح لها به دولة الإرهاب , و لا يطربها إلا ما يطرب هذه .

نفس اللامبالاة الملولة يقابل بها العالم أخبار التخريب و اقتطاع الأراضي تقوم به دولة الإرهاب الأخرى شريكة الأولى في الإرهاب الدولي . و نفس الصمت المريب يسود جو الحكومات العربية بل إن البعض منها يتسابق لاهثا لعل الدور  يصله للمثول أمام سيد النعمة ليحضى بالرضا السامي . و لتشجيع هؤلاء لعل بقية حمية قد نسيها الزمن في نفوسهم أحدثهم عن المحامية اليهودية فليتسيا لانغر في الأرض المحتلة التي تحتج بصورة مستمرة على الصمت الدولي أمام فظائع الاحتلال الصهيوني للأراضي الفلسطينية و تلقي المحاضرات في مدن الأرض المحتلة و على المنابر الدولية تفضح ممارساته فنشرت أكثر من خمسة كتب باللغة الألمانية حول جرائم الإحتلال و انتهاك حقوق الإنسان في فلسطين و قالت ان الهدف الحقيقي من هذه الممارسات هو تنغيص حياة الفلسطينيين لحملهم على الرحيل و هو نوع من التطهير العرقي , بينما يلتزم العالم الصمت لأنه يتعرض لنوع من الإبتزاز مخافة اتهامه بمعاداة السامية .

هذا التطهير يمارس اليوم في العر اق  بنفس الشكل , فأنت ترى تطهيرا داخليا تمارسه بالتهجير أو القتل بعض الأجهزة المرتبطة بالسلطة التي أقامها الإحتلال , بينما تقوم دولة الإرهاب بالتطهير عن طريق التخريب و التهديم بالدبابات و بالطائرات تغير على قرى قد تكون بعضها بحجم الطائرة المغيرة , كما تقوم عصابات أخرى مرتبطة ببعض أحزاب السلطة بعمليات القتل و الخطف و التهديد بهما لمن لا ينفذ إنذاراتها بمغادرة العراق ( و العهدة في هذا على وزير العدل السابق في تصريحه الذي نشرته الصحف قبل شهور .) اضطهاد متنوع الأشكال و تطهير عرقي حينا و مذهبي حينا آخر و العالم يتفرج لاهيا يشغل نفسه بالبحث عن جنس الملائكة .

و يصدمنا جميعا هذا الموقف الرسمي , و الشعبي في أحيان كثيرة , الذي يتخذه الجميع ربما مخافة اتهامه بتشجيع الإرهاب وهي التهمة التي تحمي بها دولة الإرهاب نفسها فلا يستطيع أحد أن يرفع صوته باستنكار ما يجري . و مرة أخرى لرفع معنويات المترددين أنقل لهم قيام حملة مكثفة داخل اوساط الكتاب الأميركان تستنكر هذه الحملات العدوانية التي تشن باسم بلدهم فيدعو بول روكويل  في مجلة موشن في كالفورنيا الى مقاطعة من سماهم بتجار و شركات الحروب التي حملها مسؤولية إثارة الحروب والعدوان لجني الأرباح بينما ينادي تشارلي ريز بطرد الإمبرياليين من الحكم في كل أقطار العالم , و يقول ان هؤلاء في أميركا قد تسببوا بمقتل 100000 من الشباب الأميركي الذين قتلوا في حروب لم يكن أي منها دفاعا عن الولايات المتحدة .

فلماذا لا نتخذ الموقف المنطقي الوحيد الذي نقدر عليه لرد العدوان الأميركي الصهيوني الذي يعلن بصراحة و وقاحة عداءه للعرب و المسلمين ؟ فلنتصور كيف يكون رد فعل دولتي الإرهاب لو التزم مليار و ثلاثمائة ألف مسلم و عربي بمقاطعتهما حتى تثوب أميركا الى رشدها فتتعلم احترام مصالحها و احترام حق الشعوب في تقرير حياتها و لا تحاول أن ترسم لنا حياتنا . لسنا ندعو إلا الى مقابلة العداوة بمثلها , و إذا كنا لا نملك الطائرات و الدبابات لرد العدوان فإننا نملك إرادتنا فلنستعملها بجد و تصميم .

إذا الشعب يوما أأراد الحياة       فلا بد أن يستجيب القدر

17/5/2005

نشر في العدد 69  من جريدة راية العرب في  22/5/2005