بين العفو . . و التعذيب

د. عبدالكريم هاني

         

          وجفت قلوب الناس و اضطربت أعصابهم عندما سمعوا أن القطبين الرئيسين في ( الطبخة ) التي طال انتظارها أحد عشر أسبوعا و استدعت مجيء ( العراب ) قاطعا آلاف الأميال , قد اختلفا قبل أن يبدآ العمل ! و انتاب الجميع قلق مشروع أمام هذا الاختلاف , زادته الحيرة أمام سبب الخلاف . و كان سبب الخلاف أن أحدهما ( قرر ) أن يصدر عفوا عن المتهمين بارتكاب أعمال ( العنف ) و الموجودين في المواقف , و تصدى القطب الثاني و هو ما زال ينتظر البت بتشكيلته و التي لم يستطع حتى الآن إنجازها بالرغم من معاونة ( المرشد ) و ( العراب ) فاحتج أن صاحبه لا يملك صلاحية إصدار هذا العفو , و أن ذلك له آلية أخرى .

          كلا القطبين واهم و الناس واهمون في خوفهم على الطبخة أن يصيبها الفشل , و أنا واهم في قلقي أيضا . فالاخوان اختلفا على أمر ليس من اختصاص أي منهما ! فإن من يصدر العفو يجب أن يملك السلطة أولا و هو و لا شك يعلم أنه لا يملكها , و نحن نسأل من يرفض هذا العفو هل يملك السلطة للقبول أو الرفض؟ سؤال آخر ننتظر جوابه من القطبين أو من أحدهما لابأس : عن أي موقوفين يتحدثان ؟ هل يعلم أحدهما كم عددهم ؟ و في أي زاوية يقبع هؤلاء ؟ هل في سجن عراقي أو ( متعدد الجنسيات  كما تدعونه )؟ و من أصدر أمر توقيفهم ؟ و ما هي أسباب توقيفهم ؟ و لعلهما يختلفان في الإجابة على بعض هذه الأسئلة , لكنني لا أظنهما يختلفان في معرفة حدودهما .

          جرت العادة في مراسيم العفو أن ينص في المرسوم المتعلق بالعفوعلى الصيغة التالية  ( على وزارة . . . تنفيذ هذا المرسوم ) فهل يعرفان من يدير هذه السجون أو أسماء نزلائها , و من يملك منهما  صلاحية إصدار الأمر لمن يدير هذه السجون لكي ينفذ أمره ؟

          بين هذا القلق هنالك بعض الأخبار المفرحة , فقد أعلن أحد المسؤولين بكل ثقة و جرأة أن أجهزة التحقيق العراقية لا تمارس التعذيب , و هي أخبار تدفعنا الى الفرح و التهليل لنعالج و لو قليلا الاحباط الذي أصابنا نتيجة اختلاف القطبين ؛ لكن مهلا ! فقد تذكرنا أننا لم نسمع جهة تحقيقية في أركان المعمورة , من موزمبيق الى كولومبيا , و من الغولاغ ( دوائر الكي جي بي ) الى غوانتانامو أقرت يوما أنها تستعمل التعذيب أو الإرهاب عند التحقيق , بل ان المتهمين , و خصوصا في غوانتانامو يرفلون في بحبوحة في غرف ذات السبعة نجوم , كما أن وزير العدل الأميركي قد أكد تطبيق القوانين الأميركية و الاتفاقيات الدولية في ذلك المعتقل , و هل أصدَق من المسؤولين الأميركان ؟ لكن الموقوفين يتسابقون للإدلاء باعترافات مذهلة يدفعهم اليها استيقاظ ضمائرهم التي لم تتكيف على الجو عالي التكييف و الفرش الوثير فيقرون بما اقترفوا من شائن الأعمال .

          الحمد لله أن الإدارة الديموقراطية اليوم تقول انها لم تمارس , و لن تمارس التعذيب ضد أي من المعتقلين , و الأساليب التي كانت شائعة في العهود غير الديموقراطية من تهديد بعض الموقوفين باعتداء منكر , أو تهديدهم باغتصاب الزوجة أو الأم أو الأخت أو البنت تحت أنظارهم قد زالت مع نسمات الديموقراطية . و لذلك فإننا نصدق و نحن في غاية الإطمئنان أن بعض الموقوفين قد أقروا ذاتيا بقبيح ما كانوا يمارسونه في المساجد , و دفعهم الندم الى الإقرار بجرائم القتل التي ارتكبوها أو حرضوا عليها .

          ( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ) ص.

 

سؤال لا بد منه : قال أحد ( العرب ) في حديث تلفزيوني " ان الأمة العربية لا يخرج منها إلا النبت السيء " , نسأل ( الأخ ) متجاوزين اعترافه : أي نبت هو ؟ و من أي أرض نبت ؟

نشر في العدد 64 من جريدة راية العرب في 17/4/2005