العراق ( الجديد )

د. عبدالكريم هاني

 

سأل الوزير رئيس إحدى الهيئات العلمية الملحقة بوزارته عن عدد الأقسام العلمية التي تضمها الهيأة , و حين علم أن العدد سبعة عشر ألقى السؤال القنبلة الذي فاجأ رئيس الهيئة العلمية : كم من رؤساء الأقسام شيعة و كم منهم سنة؟ بهت رئيس الهيأة و قال بأدب لم نفكر يوما بمثل هذا السؤال , فال الوزير أنا أريد الجواب ! وفي اليوم التالي قام إداريو الهيأة بالسؤال الذي لم يكن يوما يخطر على بال أحد لكنه أصبح السؤال الأهم في عراق بريمر و نكروبونتي و خليل زادة و عبيدهم , فقد كان اختيار رؤساء الأقسام حسب القدم و الكفاءة ,  و جاء الجواب : ثمانية سنة و ثمانية شيعة و واحد مسيحي ! ( هل كانت صدفة ؟) قال السيد الوزير أريد أن يكونوا إثني عشر شيعيا و أربعة سنة و يبقى المسيحي . و قد حصل ! منتهى الحرص على المستوى العلمي والإيمان بالوحدة الوطنية  التي يدعي الجميع وصلها!

 

قال الشيخ و هو يقلب مجموعة صور تعود الى أكثر من ستين عاما وقد لفتت نظره صورة تجمع طلاب صفه في المدرسة الثانوية في إحدى المحافظات الجنوبية بعد أن نظر الى الأسماء التي كان قد كتبها على الوجه الآخر للصورة : هؤلاء واحد و عشرون : خمسة منهم من اليهود و ثلاثة من الصابئة و الباقون لا ندري من منهم الشيعي و من منهم السني ! و قد وصل بعضهم الى أعلى درجات القضاء . هكذا كان العراق , يمنح الفرصة لكل قادر على الإستفادة منها و تقديم الفائدة , فهذه الأرقام , و أرقام الهيأة قبلها , تشير الى أن المعيار لم يكن الإنتماء العرقي أو المذهبي  سواء في فرص التعليم بكل مستوياته أم تأهيل العلماء أم في إدارة المؤسسات العلمية لكننا سمعنا من كثيرين عن اضطهاد اليهود في العراق مما دفعهم للفرار منه حرصا على سلامتهم و ليستطيع أبناؤهم متابعة تحصيلهم العلمي . و صرنا نسمع نفس النغمة تتردد بإصرار حول اضطهاد الأقلية للأكثرية و هي نغمة أصبحت مبررا جاهزا لاضطهاد حقيقي أصبح يمارسه أصحاب الصولجان ( الزائف للأسف !) بحجة تصحيح الأوضاع كما أمر السيد الوزير أعلاه .

 

. و المؤسف أننا سمعنا كثيرا , و ما زلنا نسمع , عن اضطهاد الشيعة و اضطهاد الأكراد قبل ( التحرير ) , و أرجو أن لا يلفت أحد المنادين بحقوق الإنسان نظري الى المقابر الجماعية و حلبجة و الأنفال فقد كانت هناك مقابر جماعية تضم رفات العرب من كل طائفة , و عم التدمير الدجيل و الرمادي و غيرهما, و قطع النخيل في الحلة و أبي الخصيب و غيرها دون أن تسأل الشجرة أسنية هي أم شيعية !  و لست أريد بأي صورة كانت أن أدافع عن ذلك العهد أو أبرر أخطاءه و جرائمه , لكنني لا بد أن أحذر من تحميل فئة معينة تلك الأوزار التي عانى أبناؤهم منها كما عانى الجميع و ليتجنب الجميع الاندفاع في محاولة تكرار نفس الأخطاء ( الحقيقية أو المدعاة ) من قبل الفئات الي جاءت تطالب بحقها ( المهضوم ) فبدأت تمارس علنا عملية اضطهاد حقيقية امتدت حتى الى أبناء نفس الطيف الذين تدعي المحافظة على حقوقهم ما داموا لا يدينون بالولاء لخطها السياسي الذي تعتنقه .

 

لقد عاش المجتمع العراقي حياة أخوة و تسامح , و بالرغم من بعض موجات من تشنج ساد تصرفات بعض المسؤولين أحيانا فإن الناس , كل الناس , عاشوا بمحبة و وئام , و حتى محاولات بعض العاجزين و الفاشلين تبرير فشلهم باضطهاد طائفي بسبب اختلاف انتمائهم عن انتماء المدرسين في المدرسة أو الرئيس في العمل فقد كان الجميع ينظرون باستهجان الى هذه التبريرات , لكن المؤسف أن السؤال الذي كان الكل يخجلون من الإشارة اليه قد أصبح السؤال السائد اليوم  و يسمعه المرء في كل خطوة دون خجل أو مداراة .

إننا مطالبون اليوم أكثر من أي وقت آخر , و نذر الخطر تلوح في الأفق إذ تبدو خطة أعداء الوطن ظاهرة للعيان يتبارى في تنفيذها الاحتلال و أزلامه , مطالبون أن نبني مجتمع التسامح و الألفة و المحبة , مجتمع المساواة الذي يشعر فيه كل فرد بالانتماء الى وطن الجميع , مجتمع الفرص المتكافئة الذي ينال فيه كل انسان حقه الذي تؤهله اليه كفاءته لا انتماؤه العرقي أو المذهبي , مجتمع يعيش فيه الكل سعداء بعملهم و إخلاصهم , مطالبون بالوقوف بقوة ضد تكريس المحاصصة و تكريس مناصب بعينها لفئات بعينها .

قال تعالى :  ( و أن ليس للإنسان إلا ما سعى ) و قال ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) صدق الله العظيم .