حركة التحرر الوطني في العراق تحقق قفزة نوعية

 د. وميض جمال نظمي



المؤتمر التأسيسي الوطني للقوي المعادية للاحتلال والذي انعقد ببغداد يوم 25 ربيع الاول 1425 المصادف 8 ايار (مايو) 2004 لاقي اصداء عراقية وعربية ودولية لا يستهان بها واهتماما كبيرا من اوساط متعددة ولم يكن الاهتمام بالامرالغريب بل مجرد انعقاد المؤتمر ونمط خطابه السياسي وانجازاته كانت من الظواهر بالغة الايجابية في عراق الاحتلال الامريكي وتشكل ردا سريعا علي هذا الاحتلال اللاشرعي وبالغ الضرر من ناحية وعلي سياسات الاقصاء والقمع التي مارسها النظام السابق وكانت عاملا من عوامل الوضع المأساوي الذي وصلنا اليه والعراق.
1
ـ ان هذا جاء ردا علي كل محاولات اشاعة الفتن والطائفية وتكريسها واحلال المذهبية والطائفية بديلا لا عن العروبة فحسب بل وعن الاسلام ايضا. ومنذ الايام الاولي للاحتلال تصدت جماهير شعبنا في مسيراتها الهائلة وفي العتبات المقدسة بالذات لرفض هذه التفرقة مما فاجأ الاحتلال والقوي التي آزرته والتي سعت باصرار غريب الي الفتنة الطائفية. وتم تخريب المعادي والدموي في انفجارات مشبوهة ودموية وفي اغتيالات متكررة بلغت ذروتها في تفجيرات كربلاء والنجف والكاظمية بامل احداث فتنة طائفية. ولكن شعبنا بتكويناته المذهبية صمد لذلك كله مدركا بوعي وصل احيانا الحدود الاستثنائية للاهداف الشريرة. ومما لا شك فيه ان بعض رجال الدين الاسلاميين حقا وبعض المثقفين والمناضلين لعبوا دورا في تهدئة المشاعر وتوعية الناس ولكن بقي الشعب هو بطل الوعي الحقيقي وربما المستند الي تاريخ طويل مشرف في الوحدة الوطنية والاسلامية. ان الخطوة الاكثر ايلاما وخطورة جاءت من خلال تشكيل (مجلس الحكم) و(مجلس الوزراء) علي اساس المحاصصة الطائفية والمذهبية والعرقية والاثنية بدلا عن الانتخاب الشعبي المباشر وانتقاما من المواطنة الكاملة ومعايير النزاهة والكفاءة في الوظائف العامة. واذا كانت من سلبيات النظام السابق الاساسية هي (التبعيث) والعائلية فان الوقائع تشير الي ان مثل هذه السياسات قصيرة النظر والتي غلبت عليها الانتهازية علي الكفاءة وشجعت علي الفساد الاداري لم تبدأ الا بعد سنوات عدة من انقلاب 17 ـ 30 تموز (يوليو) عام 1968 وان كانت تتطرف باستمرار حتي وصلت الي مديات خطيرة اضعفت كثيرا رابطة المواطنة وقتلت روح المبادرة في الحزب الحاكم ذاته. اذا كان الامر كذلك فان السادة من الحكام الجدد الذين ساهموا في (تحرير) بلادهم بالاعتماد الكلي علي الغزاة الاجانب انهمكوا منذ الايام الاولي لتسلطهم واستيزارهم في تعيينات غير موضوعية وتتسم بالعائلية والطائفية والعشائرية والمصلحية والحزبية الضيقة وتم اغراق دوائرهم بعوائلهم باهل الولاء لا اهل الكفاءة. وعلي الرغم اننا نستثني بعضهم من هذه التصرفات غير الوطنية واللامسؤولة الا انهم كانوا الاستثناء من القاعدة وليس العكس. حتي بات مستقبل البلاد ينذر باوخم العواقب.
التحالف الجبهوي الجديد جاء ليكرس تنظيما عضويا ومؤسسة جديدة تقوم علي اسس الوطنية التي تجمع بين ابناء الوطن تحت راية العروبة والاسلام الخالد وان الرموز البشرية التي جسدت هذه الوحدة لها باع طويل في الفقه والاجتهاد او في السياسة والنضال. ولقد تمكن هذا التحالف ان يوسع مداه ليشمل الاشقاء التركمان (او علي الاقل القسم الاعظم منهم) وان يتغلغل في كردستان العراق (علي الاقل عبر الاتجاهات الاسلامية) وان كنا نعترف بضرورة توسيع هذا النشاط الجبهوي ليشمل كل من يمكن ان يشملهم من قوميين كرد وسائر الاتجاهات اليسارية والليبرالية في كردستان العراق. ولن يتأخر ذلك طويلا.
2
ـ ان التشكيلة الجبهوية الجديدة تضم اسلاميين فقهاء وعلماء ومراجع ومسلمين ومسيحيين ممن لا يملكون الصفة المرجعية الدينية او المذهبية. وبالنسبة للفئة الاولي فانها تمكنت وفي غضون فترة قصيرة نسبيا من توحيد طاقاتها بانجاز كبير يتمثل في اعلان (لجنة علماء المسلمين الموحدة) والتي تضم مراجع سنية وشيعية. هذا بحد ذاته مأثرة جديدة وقد تكون غير مسبوقة فهي ليست النهاية انما مجرد البداية التي سيعاد بها كل من لهم مصالح موروثة وعقد مستعصية وغايات تجزيئية. منذ اواخر الاربعينات واوائل الخمسينات ادرك بعض افاضل القوم اهمية التقريب بين المذاهب الاسلامية واذا كان الداعية الاكبر لهذا التوجه السيد جمال الدين الافغاني وتلامذته البررة محمد عبده ومحمد سعيد الحبوبي وعبد المحسن الكاظمي فانه تجدد تحت رعاية الشيخ شلتوت وفي الازهر الشريف تداعي الامام حسن البنا (رحمه الله) واية الله القمي من ايران لتشكيل (جماعة التقريب بين المذاهب الاسلامية) واشترك معهم عدد كبير من افاضل القوم. هذه الجماعة لم تتخذ مداها الحقيقي الا بدعم جمال عبد الناصر لها وللازهر الشريف وفي عهده المبارك لم يتم اعتبار الامامية الاثني عشرية هي المذهب الخامس في الاسلام فحسب بل تم ادخال الفقه الجعفري والزيدي علي مناهج التعليم الاسلامية في الازهر الشريف وكذلك في موسوعة جمال عبد الناصر الاسلامية. وبذلك توقفت محاولات التقريب والمعالجة وتعزيز وحدة الدين طيلة السبعينات والثمانينات ولكن في التسعينات اطلت محاولتان برأسهما الاولي متواضعة باصدار مجلة في لندن باسم التقريب وتدار من ايران ولم تتمكن من الاطلاع الا علي عدد او عددين كانا بالغي الجودة في النية والهدف والتحليل. وهذه الايام علمنا بان المرحوم عز الدين سليم كان من ابرز محرريها فتغمده الله بواسع رحمته.
المحاولة الثانية كانت اكثر جدية وسعة وشمولا حيث بدأت بندوة واسعة نظمها مركز دراسات الوحدة العربية وفي مدينة القاهرة عام 1989 وكانت بعنوان الحوار القومي الذي شارك فيها بعض ابرز المفكرين العرب من الاتجاهين الاسلامي والقومي واليساري واتضح للكثيرين ان نقاط الالتقاء والتقارب كانت اوسع بكثير من نقاط التنافر والخلاف خاصة وان اعمال الندوة صدرت في كتاب طبع عدة مرات. وبسبب نجاح هذه الندوة وعلي نار هادئة وبجهود من السادة خير الدين حسيب وحسن الترابي وراشد الغنوشي تمكنت القوي القومية والاسلامية علي اختلاف الوانها من عقد مؤتمر سياسي وفكري باسم (المؤتمر القومي العربي ـ الاسلامي) وبالنظر لتصاعد دور حزب الله ولانعقاد هذا المؤتمر باستمرار في بيروت فقد اصبح حزب الله عنصرا اساسيا فيه كذلك شارك فيه الشيخ جواد الخالصي وحزب الدعوة والمجلس الاعلي للثورة الاسلامية (أ. عادل عبد المهدي) من كل ذلك كان العراق بعيدا الا عبر بعض المنفيين منه والمنفيين فيه. بحيث لم تكن هناك ارضية مهيأة لبدء هذا العمل ناهيك عن تطويره. لذلك فان انبثاق (لجنة علماء المسلمين الموحدة) بهذه السرعة والتي ربما استفزها الاحتلال يعد بحد ذاته انجازا كبيرا يتوجب تبنيه ودعمه وحمايته من كيد المتربصين بهذا المشروع التوحيدي وما اكثرهم وما اغناهم وما اقواهم. لان هذا الانجاز تجاوز مساعي لجنة (التقريب بين المذاهب الاسلامية) التي دعمها عمالقة مثل البنا وبعض ايات الله في ايران وكل ثقل جمال عبد الناصر التاريخي وثورة تموز (يوليو) المصرية وكل وزن الازهر الشريف وشيخه الجليل. بداية ليس كل اعضاء المؤتمر هم اعضاء في اللجنة الموحدة ولكن كل اعضاء اللجنة الموحدة اعضاء في المؤتمر. وهذه نأمل حمايتها وتطويرها وكل ما بوسعنا قوله في الخير فليتنافس المتنافسون ويقول الله سبحانه وانا انزلنا الذكر وانا له لحافظون انك يا ربنا خير الحافظين.
3
ـ في بلادنا العربية تمزق الجهاد الوطني واصبح كل طرف يتصور نفسه بانه الاجدر بالقيادة والاولي بالزعامة لا بالاستناد الي صناديق الاقتراع ولا الي احكام الحياة وتجاربها بل ثمرة نزعة ذاتوية لا تخلو من نرجسية مفرطة وغرور اجوف. هذا سهل عودة الاستعمار وغيب الديمقراطية وسبب انطواء الجماهير علي ذاتها. المؤتمر الجديد يضم الكثير من القوي السياسية ومنظمات المجتمع المدني ولكنه ـ بالاساس ـ يعكس تحالفا قوميا عربيا اسلاميا ولعله الاول من نوعه في الوطن العربي مع ذلك فانه لا يحتكر المعرفة ولا يحتكر الوطنية ولا يريد اقصاء احد من اقصي اليسار الي اقصي اليمين الليبرالي الوطني. وقد شارك في اعماله العديد من الماركسيين الرافضين للاحتلال وقريبا نأمل ان يأخذ بعضهم مكانه القيادي في صفوف هذا المؤتمر. لم ولن نستثني احدا ونحن نقول للجميع ما قاله من قبلنا الشهيد حسن البنا (فلنتفق علي ما يمكن الاتفاق عليه وليعذر بعضنا الاخر في ما لا يمكن ان نتفق عليه) كل ما نرجوه ان نتمكن بعون الله وبعون من كل المخلصين ان نكون بداية تحالف وطني واسع يوحد ولا يفرق يمد الجسور ولا يعمق الحفر لا يحتكره مؤسسوه بل كل الراغبين في تطويره من اجل انعتاق العراق من الاحتلال والاستبداد ومن اجل الشوري والديمقراطية وحقوق الانسان ومن اجل عراق لا ابهي ولا احلي ولا اروع. ومن اجل الحرية والعدالة والابداع المشترك. لقد ولت ايام الانشقاقات.. فليطل علينا عصر الوحدة والكفاح والابداع المشترك.
4
ـ ان انعقاد هذا المؤتمر علي ارض العراق ومن مناضلين من داخل العراق لا احد فيهم يحمل جنسية اجنبية.. وانعقد المؤتمر بارادة عراقية وبتمويل عراقي لا بدعم اجنبي او مخابراتي ليمثل ظاهرة جديدة غير ظاهرة المؤتمرات السلطوية وكوبونات النفط ناهيك عن دعم وكالة المخابرات المركزية الامريكية والبنتاغون او المخابرات البريطانية او كل من هب ودب علي ارض العراق متصورا ان امواله قادرة علي شراء الناس وتشويه الضمائر وافساد النفوس.
انه مؤتمر الاحرار من اجل الحرية للعراقيين الشرفاء من اجل العراق المتحرر من وسخ الاحتلال.. ووصاية الاستبداد ومن الراشين والمرتشين ومن اجل الشوري والديمقراطية والنزاهة والكفاءة الوطنية.

القدس العربي
2004/06/14