بارزاني وطالباني (برو.. برو) الي الوراء در
هارون محمد
وبرو.. مفردة كردية تعني اخرج او غادر المكان، وهي تستخدم وتتردد كثيرا على السنة العراقيين هذه الايام، بعد ان تزايدت انتهاكات الاحزاب والقيادات الكردية وميليشياتها المسلحة الـ(بيش ميركه) في العاصمة بغداد والمدن والمناطق العربية والتركمانية والمسيحية واليزيديه، واتسعت استفزازاتها الى درجة بات السكوت عليها مذلة، ولابد من وقفه شعبية عراقية تتصدى لها وتحبط لأعداء العراق والمتربصين بسيادته ووحدة ترابه الوطني وتحبط مؤامرة بارزاني وطالباني وحلفائهما العملاء لتقسيم العراق واقتطاع جيوب وأجزاء منه بما يخدم المشروع الصهيوني الذي يستهدف تفتيت الامة العربية وتحويل دولها الى كيانات هزيلة مغيبة الارادة، فاقدة المنعة، عديمة القوة لاجيش ولا قوات مسلحة فيها للدفاع عنها ولا صناعة ولا اقتصاد ولا بنى ومرتكزات تستند عليها.
وابتداء.. لابد من القول انه من الظلم ان يختزل اكراد العراق بحزبين يقودهما مسعود البارزاني وجلال الطالباني، الحزب الاول هو مجرد رابطة عائلية وعشائرية يتحكم افرادها في جزء من الشمال العراقي بالقوه والاكراه، فيما الحزب الثاني هو عبارة عن (لملوم) قياداته مؤلفه من أكراد تائهين وانتهازيين محترفين، وعنصريين شوفينيين، وشيوعيين ماويين محبطين، نجحوا في احتلال مدينة (السليمانية) ومارسوا ضد اهلها والاطراف القريبة منها ابشع اساليب القهر والتنكيل، واوضح صورة عن الاضطهاد الذي تعرض له الكرد في ظل سلطة الحزبين الدكتاتوريين، ذلك الهروب الجماعي للسكان من المنطقة الكردية واللجوء الى اوربا وكندا وامريكا واستراليا خلال السنوات العشر الماضية، التي اعقبت تشكيل ادارتين محليتين تقاسمتا التحكم بالمنطقة والسيطرة عليها والاستحواذ على الموارد المخصصة لها من برنامج (النفط مقابل الغذاء والدواء) والرسوم الجمركية للسلع والبضائع من تركيا وايران، اضافة الى عائدات تهريب النفط العراقي، وعدد من المسؤولين الاكراد ضالع فيها، ومن يريد التأكد يرجع الى سجلات مؤسسة تسويق النفط العراقية (سومو) خلال الفترة من (1997-2003 ).
وجرائم الاحزب الكردية في محافظات كركوك والموصل وديالى وسرقاتها العلنية للسيارات والمعدات والاسلحة والاجهزة الفنية من المنشئات والمعسكرات العراقية واستمرار حملاتها الشوفينية الاجرامية ضد العرب والتركمان والمسيحيين واليزيديين الذين يتعرضون يوميا ومنذ أكثر من عام الى ابشع حملة اضطهاد وتهجير واغتيالات من الجلاليين والبارزانيين المستقوين بالمحتل الامريكي، سجلت معدلات خطيرة، تستدعي تدخلاً عاجلاً من الدول العربية وتركيا والفاتيكان لوقف الهجمة الهجمية التي تستهدف اقامة اسرائيل ثانية في شمال العراق، ابرز ملامح انشائها، المباشرة ببناء قاعدتين جويتين في اربيل والسليمانية تتألف كل واحدة منها من مجمعات سكنية ومنشئات ومستودعات عسكرية ومطار دولي، بكلفة غير عادية تقديراتها مليارات الدولارات، ويرافق انشاء القاعدتين، بناء مصفيين للنفط في المدينتين بطاقات انتاج عالية لا تتناسب مع احتياجات المنطقة الكردية للنفط، اضافة الى خلو المنطقة من آبار نفط، وهذا يعني بحساب بسيط ان بارزاني وطالباني يخططان للاستيلاء على حقول النفط في كركوك بقصد تبديد الثروات العراقية والاستفادة منها مقابل اهداف سياسية يحصلان عليها من اطراف ودوائر اقليمية ودولية مستقبلاً.
ومما يؤكد توجهات بارزاني وطالباني الانفصالية، انهما يرفضان بعناد حل (حكومتي) اربيل والسليمانية، ويمتنعان عن سحب قوات (بيش ميركه) من بغداد وكركوك والموصل وديالى الى قواعدها الجبلية، ويصران على ان تكون هذه المليشيات الحزبية نواة الجيش العراقي الجديد، وقد ثبت بالصور والشهادات الموثقة بان وحدات من البيش ميركه وخصوصاً القناصة، شاركت بفعالية في مهاجمة الفلوجة الباسلة ومجاميع تيار الصدر في النجف وكربلاء والكوفة والكوت، واغتيال العشرات من المقاومين الشرفاء، واعترف بارزاني وطالباني بهذه النذالة دون حياء، وبررا مشاركة اتباعهما في ضرب وقتل عرب العراق بانها واجبات عسكرية بتعليمات وأوامر امريكية.
وعندما اكتشف السفيران الامريكيان روبرت بلاكويل مساعد كونداليزا رايس المسؤول عن ما يسمى بعملية نقل السلطة الى العراقيين، والحاكم المدني بول برايمر، ان حركة مقاومة واسعة النطاق ستعم العراق من الخابور الى ام قصر، وان زمام الامور في البلاد سيفلت من قوات الاحتلال التي تواجه مآزق ومشكلات كثيرة اصلاً، اذا كلفا احد الاكراد الحزبيين بتولي رئاسة الجمهورية او رئاسة مجلس الوزراء فصرفا النظر عن ذلك، احتد بارزاني وطالباني واعتبرا استبعادهما مؤامرة من مبعوث الامم المتحدة السيد الاخضر الابراهيمي وراحا يشنعان عليه مع حليفهما احمد الجلبي، رغم انهما يعرفان جيداً ومسبقاً بان الرجل لا علاقة له بهذا الموضوع، وخشيا ان يقرا بان برايمر ابلغهما بصريح العبارة عندما استدعاهما الى مقابلته نهاية الشهر الماضي، بان تسلم احدهما احد منصبي الرئاسة الان سيحول العراق كله الى ثورة ليس بمقدور القوات الامريكية السيطرة عليها، ومن اطلع على تصريحات محمود عثمان العضو الكردي الخامس في مجلس الحكم الانتقالي المنحل، وسعى فيها الى تلطيف الموقف الامريكي من هذه القضية عندما قال ان الامريكان تصرفوا في هذا الموضوع من باب (الميانة) مع اصدقائهم الاكراد، يدرك مدى الخيبة التي ضربت الطامعين في الرئاسات اللذين تصورا ان خدماتهما وتهافتهما في تأييد الغزو والاحتلال الامريكيين، يكفلان لهما تصدر المسرح السياسي في العراق، دون ان ينتبها الى ان امريكا يهمهما في المقام الاول مصالحها، وهي ليست بتلك السذاجة لتفرط بخمسة وعشرين مليون عربي عراقي من اجل سواد عيون بارزاني وطالباني والشلة التي تتبعهما، وهي ايضاً غير مستعدة لخسارة حليف استراتيجي اسمه تركيا من اجل مجموعة من العصاة وشيوخ الحروب تستخدمهم متى تشاء وترميهم متى انتفت الحاجة اليهم.
ومن يقرأ الرسالة الاسترحامية المشتركة التي بعثها بارزاني وطالباني الى الرئيس الامريكي يناشدانه فيها ادراج قانون ادارة الدول الانتقالية بقرار مجلس الامن الاخير، لابد ولاحظ تلك اللغة الاستعطافية المذلة التي تحدثا فيها، وهي لغة لا تصلح للتخاطب السياسي على اي مستوى، بل وصل بهما الامر الى التحريض على عرب العراق بشكل سافر عندما أشارا الى ان المنطقة الكردية لم تشهد اي مظهر من مظاهر المقاومة ولم يجري فيها قتل او اصابة اي جندي امريكي بعكس المناطق الاخرى، وهذا في رأيهما، له ثمن يطالبان به دون خجل وهو ثمن ارتزاقي مفضوح، وعندما لم يأخذ بوش باقتراحهما الهش، عمدا الى وزرائهما في حكومة اياد علاوي بالمشاكسة وطلب صلاحيات غير منطقية، ففي تصريح لمصدر مسؤول في رئاسة مجلس الوزراء لاقليم كردستان (إدارة السليمانية) صدر الاربعاء الماضي جاء فيها ان زيارة برهم صالح رئيس وزراء الاقليم (لاحظوا الصفة) الى بغداد كانت للتشاور والتباحث مع رئيس الحكومة العراقية المؤقتة حول منصب نائب رئيس الوزراء لشؤون الامن الوطني (المقترح) له - هكذا وردت - ويمضي التصريح قائلا بعد ان يوجه انتقادات الى علاوي ويتهمه بحجب صلاحيات نائبه برهم: بان رئيس الوزراء لحكومة اقليم كردستان موجود في السليمانية ويمارس عمله وهو غير مستعد للذهاب الى بغداد والمشاركة في اعمال الحكومة، الى آخر التصريح الذي لا معنى له غير التهويش والتشويش لا اكثر، وهو يتطابق مع تصريحات وزيرة الاشغال نسرين برواري من حزب بارزاني التي اعلنت انها ستنسحب من حكومة علاوي اذا جاءتها تعليمات من قادة حزبها في اربيل.
ورغم ان موقفي برهم وبرواري دعائيان فارغان، على طريقة (زعل العصفور من بيدر الدخن) الا انهما يوحيان بان الحزبين الكرديين يسعيان الى مزيد من الهيمنة والنفوذ أكثر مما يستحقان، وهذا يعني ان حكومة علاوي تواجه أزمة من داخلها وهي ما تزال في اسبوعها الاول، اضافة الى ان الحزبين مازالا لا يعترفان به كرئيس للوزراء رغم مشاركة ممثلين عنهما في حكومته، علما بان حكومتي بارزاني وطالباني في اربيل والسليمانية ما تزال قائمتان بمعزل عن الحكومة المركزية - كما يفترض - ببغداد، وما يزال برهم صالح يعتبر نفسه رئيساً لمجلس وزراء ثان، في الوقت الذي لا تتحرج براوري في الاعلان بان مرجعيتها في رئيس حزبها وليس في رئيس الحكومة التي هي وزيرة فيها، وهذا تناقض حاد سيقود حكومة علاوي الى منزلقات ومشكلات ليس من اليسير احتواءها او معالجتها الا بطريقة حاسمة لا تقبل الانتظار، وكان على اياد علاوي اذا اراد ان تسير حكومته وتمضي في طريقها الى نهاية مرحلتها بشيء من الهدوء واحراز بعض التقدم على الصعيد الداخلي على الاقل، ان يغادر تردده ومجاملاته للوزراء الاكراد العاصين عليه، وان يثبت انه رئيس وزراء حقيقي وليس واجهة لملْ الفراغ، ويصدر قرارا باقالة برهم صالح وعزل نسرين براوري من حكومته وتحويل هوشيار زيباري من وزارة الخارجية التي لا يستحقها الى وزارة اخرى، والاستعانة بشخصيات كردية وطنية ومستقلة تنتمي الى قبائل الهركيين والجاف والسورجيين والنقشبنديين والبرزنجيين والزيباريين، التي عانت من اضطهاد بارزاني وطالباني واجبرت على ترك قراها ومزارعها ومناطقها في فترات سابقة وهاجرت الى الموصل وتخومها واستقرت فيها على مضض، وعند ذلك يستقيم الامر وتهدا الحالة، والا فانه سيواجه مؤامرات بارزانية وطالبانية لا حصر لها، واللبيب من الاشارة يفهم.