تونس .. وامتدادات الثورة العربية
جليل نعمة العبادي
مرت الثورة العربية بمراحل فيها عقد ومعقدات ، وفيها انفراج وانفراجات ، وملابسة وملابسات ، وفيها روى غامضة وغير غامضة وفيها صور قاتمة وغير قاتمة واصرار وتراجع وانكسار وكبوة وانتصار ، كما فيها الفعل والفاعل والردة والارتداد والصبر والعجالة واستقراء التاريخ وجهل التاريخ والصبر والنفاد ، ومع كل هذا فأن الثورة العربية قامت على اسس حاول اعداؤها تهديمها كما قامت الثورة العربية على ثوابت وطنية وقومية حاول المغرضون التشويش عليها في محاولة لتهطيل دورها في البناء والتقدم والغاء مكانتها في دعوات الحرية والديمقراطية ، ويأتي انتصار ثورة تموز عام 1952 التي قادها القائد المعلم جمال عبدالناصر في ارض الكنانة لتشكل واحدة من الثورات الناضجة التي انضجتها محنة الامة العربية ونوازع الظلم والاستبداد والركوع الى الاجنبي ، وهي من الثورات الناضجة التي اعتمدت على برامج ثوري وعولت على اهداف وطنية وقومية فاستطاعت ان تغير مجرى التاريخ وان تحدث انعكاسات كبيرة في الوطن العربي فشاعت ثقافة الثورة الوطنية ضد الدكتاتورية فصارت طريقا وصارت قضية اعتمدها الشعب العربي ليطيح بظلامه من الحكام الذين ساوموا على قضية الحرية والديمقراطية والاستقلال والسيادة فهي ثورة قومية ووطنية لها اهداف اجتماعية واقتصادية عالجت قضايا الاقتصاد بنمط اشتراكي تعاوني مقتدر ساهم في بناء المجتمع المصري على اسس تعاونية اخلاقية وخلقت مسارا جديدا للتحولات الاجتماعية وبالرغم من محاولات انور السادات وحسني مبارك للاساءة الى الثورة وتحريفها وتعطيل منجزاتها الوطنية في البناء والتقدم الصناعي والزراعي ، غير انها بقيت قوة رادعة ومسارا وطنيا ثوريا يذكر الدنيا بقدرات العرب الثورية والوطنية والاخلاقية ، ولدت ثورة تموز عام 1952 ورديفها ثورة عام 1958 وغيرها من الثورات الوطنية في الوطن العربي والتي اطاحت بالخونة والقتلة والديكتاتورية وطردت فلول المحتلين في ظرف ومحيط يفرض هذا النمط من الثورة والانتفاضة اعتمادا على القوة العسكرية الى جانب شحذ الهمم وتثورير روح الوطنية والقومية في نفوس الشعب العربي كرد استراتيجي على طبية الاستراتيجية الامريكية التي استباحت الارض العربية ونهبت ثرواتها وعطلت دور الانسان العربي في البناء والتقدم والتحضر ، وتعتبر ثورة الجزائر الثورة الوحيدة التي طردت المحتل وحررت البلاد بالقوة العسكرية الى جانب الانتفاضة الشعبية والحشد الجماهيري ، غير ان نمط الاستراتيجية الامريكية قد تغير الان بعد ان اعتمدت على الاحتلال المباشر لارض الغير وسرقة اموال الشعوب ومصادرة ارادتها وحريتها واستقلالها ، وتأتي الانتفاضة الشعبية في تونس لتسير في منحى ثوري جديد لمرحلة جديدة من النضال الثوري بهدف معالجة خسائر الفراغ الذي خلفه بعض الحكام العرب على امتداد الارض العربية ، لقد تأقلمت الانتفاضة الشعبية مع الواقع الجديد ومع الازمات القائمة لتعتمد الخيار المدني في الثورة والانتفاضة وتحشيد الجماهير باتجاه اسقاط النظام الفاسد دون اللجوء الى الخيار العسكري ، وتشكل هذه الانتفاضة بادرة جديدة تتجانس مع طبيعة التحديات بعيدا عن عسكرة الفكر وانتفاضة الجيوش ، فثورة الرجال العزل في تونس دليل ثقافة وطنية وقومية جديدة تعيد الاعتبار للثورة العربية الاصيلة وتفوت فرص الالتفات من خلال حشد الجماهير كوسيلة لطرد الحكام الفاسدين وتحقيق الارادة الحرة في الاستقلال والسيادة والتمدن . لقد استحدثت ثورة تونس الخضراء معايير جديدة للاطاحة بالسلطات الظالمة وقيم ثورية جديدة لا تعتمد عسكرة التوجهات وشكلت مناخا جديدا ووسائل تتلاءم مع طبيعة المرحلة التي يمر بها العالم من خلال سطوة الاحتلال وتبرير الاحتلال تحت طائلة الحرية والديمقراطية ، وفي الوطن العربي انظمة ملكية حكمت الشعب بقوة العسكر وبثقافة الولاية المطلقة للملك والامير واعتمدت نظاما اقتصاديا غير متنوع الفعاليات يميل للاستثمار الاجنبي فيه هدرٌ للامكانات البشرية المتاحة في الوطن العربي وبعدا عن القيم العربية الى حد تأسيس سفارات صهيونية وتوطيد علاقات مكوكية مع الدولة اللقيطة وكل ذلك ادى الى تكوين ثلاث طبقات في المجتمع الملكي الوراثي طبقة ثرية استغلت الظروف وسيطرت على الاقتصاد بشكل جعلها تمتلك وبلا منازع كل المصالح الاقتصادية وفئة مؤلفة من الحاشية ومن الرهط ومن العائلة المالكة لها امتيازات في الثروة وفي الترف والبذخ على حساب اموال الشعب الى جانب فئة الفقراء والمساكين الذين عاشوا على هامش الاقتصاد وهو يعانون من العوز والجوع ، وهذه النظم تسترت بالبرلمانية والديمقراطية وسخرتهما باتجاه تعظيم الملك والامير وترسيخ الملكية كخيار وحيد وعمقت من ثقافة الوراثة المفرطة وشرعية اطاعة الملك ، وفي الوطن العربي انظمة ذات نظام جمهوري اغراها ترف الملكية واستهواها وراثة الحكم وتأسيس الرهط والحاشية والفساد المالي والاداري فصارت جمهوريات على وفق رواية الدساتير ووراثية في ادارة دفة الحكم الى حد اصبحت فيه وجها اخر للنظام الملكي مع الايغال بالدكتاتورية والترف والبذخ ، وفي الوطن العربي انظمة تنصب حكامها بقوة الاحتلال واستقوت بالمحتلين ، ولقد شاعت في هذه الانظمة ظاهرة البطالة والفقر والجوع نتيجة الاقتصاد المدمر الذي يخضع لوسائل النهب والسلب ، مما حدى بالوطنيين والقوميين لاشعال ثورة الخبر معتمدين على وحدة المصير التي توحد الارادة . واني ارى ان ثورة الخبر وانتفاضة المعوزين والصابرين ستطرد كل قوى الردة وستنتصر وستحرق كل الرؤوس الخائبة لينال هؤلاء جميعا عقاب الشعب وسيصبح العرب في كل مكان اسيادا على ارضهم وستكون الثورة العربية بروحها الجديدة واستراتجيتها الجديدة طريقا لضرب المحتل وطرد الخونة والمارقين ، وانا على يقين ان الثورة التونسية ستمتد وتتصاعد لتطيح بكل الانظمة العربية الفاسدة وستحدث انتفاضات واسعة على الارض العربية تتعاطى مع مستجدات الواقع الجديد وتتكافل مع الذات الوطنية العربية ، وان وحدة المصير ستكون حتما قاعدة لوحدة الخيار والارادة والهدف وعلى امتداد الساحة العربية .