ايران.. اللغز المحير

                                                       

                                                                   جليل نعمة العبادي

 

    لكل دول العالم سياقات في العمل السياسي ، ولها اجندة واهداف على وفق استراتيجات محددة ، وفي العالم انظمة دكتاتورية حافظت على دكتاتوريتها بالانضواء تحت الهيمنة الامريكية والتنازل عن كل شيء امام هذه الدولة الطويلة العريضة مقابل الحفاظ على السلطة باطارها الدكتاتوري ، لان هذه السلطات تعتقد ان بقاءها في الحكم منوط بالدكتاتورية ، وانظمة اخرى تتمسك بالديمقراطية على طرازها الغربي الذي يسوغ السحت والكسب الحرام ، والاحتلال والعدوان لضمان مصالحها وبقائها ، والدول الامبريالية الانموذج الاكثر تطرفا والاسوأ تصرفا لهذا النظام ، ومن ابرز ميزات هذا الحكم انه يعتمد على الضرائب في تعزيز اقتصاده وعلى حرية الرأي الذي تتشابك فيه المعاير والمظاهر بلا محددات لحد الانفلات بالخطاب السياسي وبالفعل وبالتصرف او التنازل عن العرض والشرف والقيم التربوية ، لان الذي يهم هذا النوع من النظام ان يفعل الناس كما يريدون شريطة بقاء النظام  امام سعيه الجاد للاستيلاء والهيمة والسيطرة على مقدرات الشعوب ونهب مقدراتها ضمانا لمصالحها  ، ومن سمات هذا النظام انه يصنع شعبا يقتاد على المخدرات وعلى اللهو وعلى التسيب وعدم الانضباط ، الى جانب ذلك وجود انظمة تعتمد الديمقراطية في سياق الحزب الواحد والقائد المفكر بنظرة شمولية فيها تطرف في الرؤى وقهر لارادة المعارضين الذين لم تصفق ايديهم للقائد وللنظام باي شكل من الاشكال ، والعالم يشهد صراعا دائما بين تلك الانظمة الثلاث لحد الاقتتال والغزو ، ويأتي احتلال العراق عام 2003 ليشكل سياقا جائرا لهذا الصراع ، والعراقيون يعرفون ان الاحتلال وراء كل معاناتهم وتعبهم ورجوعهم الى الوراء وهم ينتظرون بفارغ الصبر اللحظات التي يغادر فيها المحتل بلدهم طبقا للموعد الذي حددته الاتفاقية العراقية ـ الامريكية ـ التي ضللت وكونت قناعا للاحتلال ـ  ليسترجع العراق سيادته واستقلاله وكرامته وامنه وامانه ، وكلما يقترب موعد خروج المحتل تتكاثر الدعوات لكي تعرقل خروجه تحت مبررات اضطراب الامن وعدم كفاءة الجيش العراقي وقوى الامن الداخلي على تأمين الامن والاستقرار في العراق ، وكأن العراق بات ينعم الان بالامن والاستقرار لحد التخمة تحت المظلة الامريكية والتواجد العسكري الاجنبي ، واخر مستجدات الدعوات التي تشجع على بقاء القوات المحتلة تستند على الخوف من النفوذ الايراني في العراق وتغيير مسار النظام القائم على وفق معطيات الثورة الاسلامية في ايران او يصبح العراق بعد خروج المحتل ضيعة ايرانية ، وتعتمد هذه الدعوات على اتهام ايران لجعل العراق ساحة لصراعها مع الولايات المتحدة الامريكية وعمليات استهداف اشخاص محددين بكواتم الصوت او العبوات الناسفة ثأرا للحرب العراقية على ايران ، الى ماوراء ذلك بهدف زعزعة الوضع في العراق وخلق فجوات امنية قد تؤمن للنفوذ الايراني والولوج داخل منصة الحكم على اقل تقدير ، في حين ان الحكم القائم في العراق بالرغم من ارتمائه في احضان الامريكان فانه لا يخفي ولاءه لايران وتعاطيه مع انعطافات واتوجهات هذه الدولة لحد الولاء كواحدة من ظواهر الازدواجية في الحكومة العراقية والكتل المساهمة في العملية السياسية وبالرغم من ان انعكاسات الصلة بين بغداد وطهران على الوضع الامني والثقافي والاجتماعي في العراق فانه يزعزع التواجد الامريكي في العراق ويشكل بدايات الصراع الامريكي الايراني الذي يعتمد على قاعدة المصالح والاستيطان والنفوذ وسلب الثروات لإن لايران استراتيجية معلنة تتصدى للولايات المتحدة الامريكية وحلفاءوها وصنيعتها اسرائيل وتهدد مصالح هذه الدول الاقتصادية والعسكرية والاستيطانية ، وايران صارت لغزا محيرا ، فالى جانب وقوفها مع المقاومة الفلسطينية في فلسطين والمقاومة الاسلامية في لبنان في ملاحقة التواجد الصهيوني على ارض فلسطين وانتهاكاته المستمرة لحرمات ومقدسات العرب والمسلمين في فلسطين ومساندتها المعلن للكفاح الفلسطيني من اجل استرجاع حقه وانتزاع ارضه وتهديها المباشر للوجود الصهيوني على ارض فلسطين ومقاومتها للتواجد الاستعماري وقواعده العسكرية ، نجد ان النفوذ الايراني في العراق ساهم في اثارة القلق وهدر الدماء واهتزاز الامن والامان ، بالتزامن مع تصاعد اعمال الارهاب التي تتبناها القاعدة في هذا البلد المثقل بهموم المحتل وايران تعلم ان استقرار العراق وامنه وامانه يعني استقرار الشرق الاوسط والعالم وتتجاهل ذلك ، في حين ان ازدواجية تجعل الولايات المتحدة الامريكية تتكيء عليها بحجة التداعيات الذي بات يحدثها النظام الايراني لتغيير موازين الحكم تحت طائلة المطامع الايرانية في الاراضي العراقية  ، وتتحج بها لاطالة عمر تواجدها المزعج في العراق ، كما اعتمد هذا المنحى بعض السياسيين واصحاب الكتل والمتواطئين مع المحتل بالجهر بالقول والفعل او السكوت المطلق والفعل تحت الكواليس ذريعة يطيل من عمر المحتل ويثبت اقدامه على ارض العراق ، وايران ترى ان التواجد الامريكي في العراق والخليج العربي يهدد مصالحها ويعرضها لخطر ضربة عسكرية لا تزال تتبجح بها الولايات المتحدة الامريكية واسرائيل منذ اول يوم احتلت فيه الولايات المتحدة ارض العراق ولحد الان ، ولفك هذا اللغز المحير في السلوك والتوجهات الايرانية المزدوجة  ارى ان على القوى الوطنية والقومية التقدمية فتح حوار مباشر مع النظام الايراني لحلحلة وفك الازدواج الحاصل وفهم المواقف الايرانية بلا غموض ، ولكي تقف هذه القوى على حقيقة هذه النوايا ، وحقيقة ماقيل ويقال عن النوايا والتوجهات الايرانية التي تشكل بمجملها اتهامات تنفيها ايران جملة وتفصيلا وصولا الى قناعات تحد من المغالات والغلو الايراني وصنع علاقة انسانية تسحب البساط من تحت ارجل الامريكان وتوطد الثقة بين العرب وبين الايرانيين دون الرجوع الى ارث ومنغصات العداء الفارسي العربي  وبعيدا عن النفس الطائفي والعنصري ، ودعم مواقف ايران المناوئة للولايات المتحدة الامريكية واسرائيل وتعضيد مساندتها للمقاومة العربية الباسلة في فلسطين والمقاومة الاسلامية في لبنان وحركة التحرر العربي المطالبة بالحرية والاستقلال والديمقراطية والمناهضة للامبريالية العالمية ، وتوضيح ماهو مطلوب من ايران ازاء الوضع المتأزم في العراق وازاء الشكوك من مساعيها لتوسيع رقعتها الجغرافية على الارض العراقية ونهب النفط العراقي ، واستطلاع مواقفها فيما يتعلق بالاشقاء العربستانيين الذين تأكد للجميع ان ايران سلبت حقوقهم وتعاملت معهم بقسوة وشوفينية وجردتهم من دورهم الانساني والاخلاقي في حركة التحرر العربي وانتمائهم الى الجسد العربي ومكانتهم الاجتماعية والتربوية وازالة اللبس الحاصل في تعامل ايران القسري مع تطلعات العرب في عربستان وتحسين العلاقة مع ايران بعد ازالة كل ذلك الغموض وضمان استعدادها للتنازل عن نواياها ازاء الوضع في العراق وازاء مشاريع التقسيم التي تريد تجزئة العراق الى فدراليات قيل ان ايران تريد جعل جنوب العراق ضيعة تابعة لها على سياق الفدرالية والتعامل مع ايران على وفق معطيات الفكر الاسلامي والعربي الذي يرفض الطائفية والعنصرية ويقاوم الاحتلال لارض الغير بكل اشكاله ومسوغاته ، لانني اعتقد ان التخاصم مع ايران واثارة الهواجس معها لا ينصب في خدمة العرب والمسلمين ويؤدي الى تفعيل الدور الامريكي المخرب في العراق والعالم العربي والاسلامي  .