تركيا .. الحسابات الخاطئة والصفعة الفرنسية

 

                                                                                         حسين الربيعي

                                                                                      

من الممكن ان تؤدي الصفعة الفرنسية التي تلقتها حكومة اردوغان (الأسلامية) إثر التصويت في الجمعية الوطنية الفرنسية على قانون تجريم المذابح التي تعرض لها الأرمن آبان فترة الحكم العثماني من 1894 إلى العام 1915 وذهب ضحيتها عشرات الألاف من الضحايا الأرمن ، من الممكن أن تؤدي هذه الصفعة إلى إعادة النظر بشان السياسات التركية الخارجية ، فالقانون الفرنسي الذي صدر مؤخرا كان بمثابة الصدمة الكبيرة للمساعي التركية للأنضمام إلى الأتحاد الأوربي ، الذي يعتبر هدفا مهما لسياسة الحكومة التركية ، والذي بسببه اصبح واضحا إن المعادلة او الموازنة بين الرغبة بإرضاء الأوربيين ، وموقع تركيا الطبيعي جغرافيا ودينيا ، إمرا لايقبل التطبيق على ارض الواقع .

وبدون أدنى شك فإن إرضاء الفرنسيين تحت ظل حكومة ساركوزي بشكل خاص ، كمقدمة لإرضاء الأوربيين ... لن يتوفر مالم يكن ذلك تحت رعاية وقبول امريكا والحركة الصهيونية وأسرائيل ، وعليه فقد كان مهما تفعيل دور تركيا في الناتو ، وانقيادها للدخول كرقم مهم في حسابات الأستراتيجيات الغربية الصهيونية المعادية للأمة العربية وشعوبها ، متصورة إنها يمكن أن (تظفر) بدور الزعامة في المنطقة ، بالطريقة والأسلوب الذي سبق لتركيا أن جربته في ميثاق الدفاع عن الشرق الأوسط الذي انبثق تحت تسمية حلف بغداد فيما بعد لمواجهة المد القومي الذي قادته ثورة عبد الناصر القومية التحررية آنذاك .

لقد أرتكبت الحكومة التركية أول حماقاتها حين تصورت إن الدور الزعامي الأسلامي المشرقي الذي تريد أن تتولاه ، نصا مكتوبا من قبل دوائر الغرب الأمبريالي الصهيوني ، لتؤديه على مسرح العالمين العربي والأسلامي ، فإن الوجدود التركي ضمن قوات الناتو في أفغانستان يمكن أن لايؤخذ على عاتق حكومة أردوغان ، إلا أن طريقتها السلبية في التعامل مع الطرق الشرعية الممكنة لتسنم تركيا لدور زعامي في المنطقة في فرصتين ثمينتين الأولى قدمتها للحكومة التركية ليبيا الجماهيرية بزعامة المجاهد الراحل معمر القذافي ، والثانية التي قدمتها سورية بقيادة الرئيس بشار الأسد .

أرتكبت الحكومة التركية أخطاء جسيمة بابعاد تأريخية عميقة ، حين ساهمت بحروب الناتو ضد ليبيا ، حيث استشهد عشرات الألاف من الليبين تحت حجة حماية المدنيين ، وإذا كانت الجامعة العربية قد غطت هذه الجرائم سياسيا ، فإن تركيا (الأسلامية) غطتها عسكريا ودمويا وسياسيا في نفس الوقت ، ولم تكتفي بهذا الحد ، فقد تحولت تركيا إلى منبر لتأجيج الفتن الطائفية وأداة لتنفيذ المؤامرات الخارجية ، فسرا تدعم الأقاليم والفتنة في العراق وتتعامل وفق أحلامها في ظم الأقليم السني المزمع إلى أمبراطوريتها العثمانية الجديدة ، وتحملت وزر تنفيذ المشروع المعادي لسوريا فرعت ما يسمى المجلس الأنتقالي السوري ، كما وفرت مساعدات عسكرية لقلة من المنشقين عن الجيش العربي السوري ، واقامت معسكرات على حدودها لما اطلقت عليه هجرة المواطنين السوريين ، لقد اصبح واضحا ان تركيا تتلقى الأوامر من الغرب  عبر إمارة قطر التي لاتساوي في مساحتها وسكانها مدينة تركية ، وبواسطة شيخ أنقلب على أبيه حبا في السلطة ، لاتتعدى ثقافته عن ثقافة جوف باعماق الصحراء .

إن أمام الحكومة التركية الأن فرصة لغسل ذنوبها والعودة لجادة الصواب ، ولعلها تصحو بهذه الصفعة الكبيرة من سكرتها وغيها التي مارستها وهي تتزاحم مع اعداء الأمتين العربية والأسلامية لتبوء الصفوف المتقدمة للأعداء ، مسترخصة الدم العربي المسلم ، وأن تكف عن مواصلة تنفيذ سيناريو المؤامرة على سورية ، وإلا فإن الأستمرار في تنفيذ المشروع ضد سورية سيكون خاتمة الطموح لزعامة العالم الأسلامي ، بل سيكون المحطة الأخيرة في هدر الكرامة التركية التي تقف مذهولة ومصدومة من الصفعة الفرنسية ، ذلك لأن الرد على نهج الحكومة الترطكية سيكون غير متوقعا عبر ما يسمى الأزمة السورية ، فقد بلغ السيل الزبى .

 فإذا كانت المذابح ضد الأرمن ورقة الضغط بيد حلفاء تركيا في الناتو ... وحلفاءها في المؤامرات ضد العرب ، فإن ما أقترفته الحكومة التركية في ليبيا قد يكون ورقة أخرى في سلسلة من الأتهامات والجرائم التركية ضد البشرية ، ولعلي اتسأل .. ألا يمكن أن تكون العمليتين الإرهابيتين الأخيرتين في دمشق ... وربما أيضا العمليات الأرهابية في بغداد أوراق جديدة أخرى في تلك السلسة ، خصوصا وقد تحولت احكومة اردوغان لراعية بالعلن لمنظمات العنف والطائفية في المنطقة ؟ سؤال وتوجس وإتهام لاترد عليه ولاتنفيه اوتنكره سوى العودة النصوح للأمة الأسلامية عبر قنوات شرعية ، خصوصا وأن شعبنا التركي الشقيق يناهض التبعية للغرب ويرفض العداوة لأشقائه العرب ، علما منه بأن ذلك يصب في مصلحة الصهيونية التي تأسر المسجد الأقصى اول القبلتين وثاني الحرميين .

 

ـ عن جريدة العربية ـ